ابن كثير

283

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ومن هذا القبيل ، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها ، ما جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ملعون من سب والديه » قالوا : يا رسول اللّه وكيف يسب الرجل والديه ؟ قال « يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه » « 1 » أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ أي وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم ، والمحاماة لها والانتصار ، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه ، وللّه الحجة البالغة ، والحكمة التامة ، فيما يشاؤه ويختاره ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ أي معادهم ومصيرهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي يجازيهم بأعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 109 إلى 110 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) يقول تعالى إخبارا عن المشركين ، أنهم أقسموا باللّه جهد أيمانهم ، أي حلفوا أيمانا مؤكدة لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ أي معجزة وخارقة لَيُؤْمِنُنَّ بِها أي ليصدقنها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي قل : يا محمد هؤلاء الذين يسألونك الآيات ، تعنتا وكفرا وعنادا ، لا على سبيل الهدى والاسترشاد ، إنما مرجع هذه الآيات إلى اللّه ، إن شاء جاءكم بها ، وإن شاء ترككم . قال ابن جرير « 2 » : حدثنا هناد ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : كلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قريش ، فقالوا : يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى ، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة ، فآتنا من الآيات حتى نصدقك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أي شيء تحبون أن آتيكم به » ، قالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا ، فقال لهم « فإن فعلت تصدقوني ؟ » قالوا : نعم ، واللّه لئن فعلت لنتبعنك أجمعون ، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام ، فقال له : ما شئت إن شئت أصبح الصفا ذهبا ، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم ، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « بل يتوب تائبهم » فأنزل اللّه تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إلى قوله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ . وهذا مرسل ، وله شواهد من وجوه أخر . وقال اللّه تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [ الإسراء : 59 ] الآية . وقوله تعالى : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ قيل المخاطب بما يشعركم

--> ( 1 ) صحيح مسلم ( إيمان حديث 145 ) ومسند أحمد 2 / 164 ، 195 ، 214 ، 216 وسنن الترمذي ( برّ باب 4 ) ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 306 .